السيد محمد تقي المدرسي
25
الإنسان وآفاق المسؤولية
مبرماً لا يتغيّر . ولذلك فقد أدانهم الله عزّ وجلّ إدانةً شديدة حيث قال : ( غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ) ( المائدة / 64 ) . فالإنسان قد يفرض على نفسه حالة الخنوع واليأس دون مؤثر خارجي ، في حين أن المحسن يحسن لنفسه . ولذلك فإننا إذا طالعنا سورة الإسراء المسماة بسورة بني إسرائيل أيضاً ، نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول فيها : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ) ( الإسراء / 7 ) أي أن الإنسان هو الطرف المؤثر في تكوين ملامح وخطوط وتفاصيل حياته قبل أي شخص . ومن جدير ما يذكر هنا ، أن الصهيوني تيودور هرتزل حينما سئل عن السبب وراء سعيه الحثيث لتأسيس كيان يهودي جديد ، أجاب بأن آية ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ) الموجودة في القرآن هي التي دفعته إلى كسر حاجز اليأس والخنوع عن يهود العالم بعد مئات السنين من التشرد والتشرذم والهلع من مواجهة العالم . . . إن الرأي القرآني العظيم ، وهو الرأي الذي تستأنس له الفطرة الإنسانية ويجد القبول العقلي المطلق هو أن الله تبارك اسمه لم يخلق هذا الوجود عبثاً ، ولم يخلقه ويتركه لشأنه كما تقول بعض النظريات الفلسفية الخاطئة ، بل إن الله هو الخلّاق والفعّال لما يريد ، وهو الرزاق ، وهو الذي لا تزيده كثرة العطاء إلّا جوداً وكرماً . . وهذه كلها وغيرها أسماء وأفعال تدلل على استمرار العناية الإلهية المباركة بالكون . وما دام الله هكذا ، فإن هناك الفرصة تلو الفرصة لأن يخرج المرء عن عزلته ليدعو ربّه ،